أحمد بن محمد القسطلاني

105

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عليه الصلاة والسلام ( نفر من أصحابه ) جماعة منهم والواو للحال وكان ذلك في سنة ثمان وجواب بينما قوله : ( جاءه رجل ) قال الحافظ ابن حجر : لم أعرف اسمه ، لكن ذكر ابن فتحون في الذيل عن تفسير الطرطوشي أن اسمه عطاء ابن منية . قال ابن فتحون : فإن ثبت ذلك فهو يعلى الراوي ( فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ ) بالضاد والخاء المعجمتين أي متلطخ ( بطيب ؟ فسكت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ساعة فجاءه الوحي ، فأشار عمر - رضي الله عنه - إلى يعلى فجاء يعلى وعلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثوب قد أظل به ) بضم الهمزة وكسر الظاء المعجمة مبنيًا للمفعول والنائب عن الفاعل ضمير يعود على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي : جعل الثوب له كالظلة يستظل به ( فأدخل ) يعلى ( رأسه ) ، ليراه عليه الصلاة والسلام حال نزول الوحي وهو محمول على أن عمر ويعلى علما أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم ، ( فإذا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محمّر الوجه وهو يغط ) ، بغين معجمة مكسورة وطاء مهملة مشدّدة من الغطيط وهو صوت النفس المتردد من النائم من شدة ثقل الوحي ، ( ثم سري عنه ) عليه الصلاة والسلام بسين مهملة مضمومة وراء مشددة أي كشف عنه شيئًا فشيئًا . وروي بتخفيف الراء أي كشف عنه ما يتغشاه من ثقل الوحي ، يقال : سروت الثوب وسريته نزعته والتشديد أكثر لإفادة التدريج ( فقال ) : " أين الذي سأل عن العمرة " ( فأتي برجل فقال ) : عليه الصلاة والسلام ( اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات ) استدلّ به على منع استدامة الطيب بعد الإِحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن لعموم قوله : اغسل الطيب الذي بك وهو قول مالك ومحمد بن الحسن . وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة سنة ثمان بلا خلاف كما مرّ وقد ثبت عن عائشة أنها طيبته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر ، والظاهر أن العامل في ثلاث مرات أقرب الفعلين إليه وهو : اغسل وعليه فيكون قوله ثلاث مرات من جملة مقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو نص في تكرر الغسل ، ويحتمل أن يكون العامل فيه قال أي قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاث مرات اغسل الطيب ، فلا يكون فيه تنصيص على أمره بثلاث غسلات إذ ليس في قوله اغسل الطيب تصريح بالغسلات الثلاث لاحتمال كون المأمور به غسلة واحدة ، لكنه أكد في شأنها وعلى الأول فهمه ابن المنير فإنه قال في الحديث ما يدل على أن المعتبر في هذا الباب ذهاب الجرم الظاهر لا الأثر بالكلية ، لأن الصباغ لا يزول لونه ولا رائحته بالكلية بثلاث مرات ، فعلى هذا من غسل الدم من ثوبه لم يضره بقاء طبعه انتهى . لكن لو كان في الحديث ما يدل على أن الخلوق كان في الثوب أمكن ما قاله ، ولكن ظاهره أن الخلوق كان في بدنه لا في ثيابه لقوله : وهو متضمخ بطيب . وإذا كان الخلوق في البدن أمكن أن تزول رائحته ولونه بالكلية بغسله ثلاث مرات لأن علوق الطيب بالبدن أخف من علوقه بالثوب قاله في المصابيح . ( وانزع عنك الجبة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ) وللكشميهني : ما تصنع في حجتك بإسقاط كاف كما وتاء حجتك وفيه دلالة على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك ، وعند مسلم والنسائي من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء في هذا الحديث فقال : ما كنت صانعًا في حجك : قال أنزع عني هذه الثياب وأغسل عني هذا الخلوق . فقال : ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك أي فلما ظن أن العمرة ليست كالحج قال له إنها كالحج في ذلك ، وقد تبين أن المأمور به في قوله اصنع الغسل والنزع . قال ابن جريج : ( قلت لعطاء : أراد ) عليه الصلاة والسلام ( الإنقاء حين أمره ) عليه الصلاة والسلام ( أن يغسل ثلاث مرات ؟ قال : نعم ) أراد الإنقاء وهو يؤيد الاحتمال الأول وهو أن يكون ثلاث مرات معمولاً لاغسل وأنه من كلام النبي